أحمد بن علي القلقشندي
411
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وأما ما يكتبه الخليفة في بيت العلامة ، فينبغي أن يكتب : « عهدت إليه بذلك » ؛ لأنه اللفظ الذي ينعقد به العهد . ولو كتب : « فوّضت إليه ذلك » كما يكتب الخليفة في عهد السلطان الآن على ما سيأتي ، كفى ذلك . والأليق بالمقام الأوّل . وأما ما يكتب في ذيل العهد بعد تمام نسخته ، فالمنقول فيه عن المتقدّمين ما كتب به « عليّ الرّضيّ ( 1 ) » تحت عهد المأمون ( 2 ) إليه بالخلافة ، وهو : الحمد للَّه الفعّال لما يشاء ، لا معقّب لحكمه ، ولا رادّ لقضائه ، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور ، وصلواته على نبيّه محمد خاتم النبيين ، وآله الطيبين الطاهرين . أقول وأنا عليّ بن موسى بن جعفر : إنّ أمير المؤمنين عضّده اللَّه بالسّداد ، ووفّقه للرشاد ، عرف من حقّنا ما جهله غيره ، فوصل أرحاما قطعت ، وأمّن أنفسا فزعت ، بل أحياها وقد تلفت ، وأغناها إذ افتقرت ، متّبعا رضا ربّ العالمين ، لا يريد جزاء من غيره وسيجزي اللَّه الشاكرين ، ولا يضيع أجر المحسنين ، وإنه جعل إليّ عهده ، والإمرة الكبرى إن بقيت بعده ، فمن حلّ عقدة أمر اللَّه بشدّها ، أو فصم عروة أحبّ اللَّه إيثاقها ، فقد أباح حريمه وأحلّ محرّمه ، إذ كان بذلك زاريا على الإمام ، منتهكا حرمة الإسلام ، بذلك جرى السالف فصبر منهم على الفلتات ، ولم يعترض بعدها على العزمات ، خوفا على شتات الدّين ، واضطراب حبل المسلمين ، ولقرب أمر الجاهلية ورصد فرصة تنتهز ، وباقية تبتدر . وقد جعلت للَّه تعالى على نفسي إن استرعاني على المسلمين ، وقلَّدني خلافته ، العمل فيهم عامّة وفي بني العبّاس بن عبد المطَّلب خاصّة بطاعته وبسنّة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وأن لا أسفك دما حراما ، ولا أبيح فرجا ولا مالا ، إلَّا ما سفكته حدوده ، وأباحته فرائضه ، وأن أتخيّر الكفاة جهدي
--> ( 1 ) هو علي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق ، المعروف بالرضي ، وقد تقدمت ترجمته في الحاشية رقم 6 ص 379 من هذا الجزء . ( 2 ) تقدمت ترجمته في الحاشية رقم 3 ص 80 من هذا الجزء .